
لنبدأ بقصة بلا مصدر، ومنقطعة الصلة بكرة القدم، هل سمعت عن طائر العنقاء من قبل؟ قال العرب قديمًا أن المستحيلات ثلاث: الغول، والعنقاء، والخل الوفي، أما “العنقاء”، فهي طائر طويل العنق، بهي الطلة، شديد البأس، يصفه القزوينى فى كتابه “عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات” فيقول “إنها أعظم الطيور جثة، تخطف الفيل، كما تخطف الحدأة الفأر”، فإذا اقتربت ساعة موته، عمد إلى إقامة عش ضخم بين الأغصان، وأضرم النار فيه، ثم بقى بداخله حتى تتفحم جثته تمامًا، وبعد مرور ثلاثة أيام على عملية الانتحار تلك، ينهض من بين الرماد طائر جديد، لتبدأ الأسطورة مرةً أخرى في النمو.
تلك كانت الأسطورة، فما بال بيب جوارديولا، الأسطورة، الذي عاش وحيدًا، وعاث في الأرض فسادًا، وخطف البطولات كما تخطف الحدأة الفأر، فلم يقارعه شخص أو فريق واحد طيلة عشرين عامًا، هل سيعود إلى الحياة مرةً أخرى بعد أن تفحمت جثته تمامًا في ليلة ممطرة من ليالي سانتياجو برنابيو؟
خواء
“الوقت يداوي الجراح. سنحاول النوم بأفضل شكل ممكن، والتفكير في هدف جديد”.
بيب جوارديولا.
حسنًا، لننتقل لقصة ذات مصدر، ولها علاقة بكرة القدم: كيفن كيغان، أحد أساطير ليفربول ومدرب نيوكاسل السابق، حكى ذات مرةٍ عن إحساسه عندما خسر لقب الدوري أمام يونايتد فيرجسون في آخر جولة من موسم 95-96، حكى عن الخواء النفسي الذي شعر به فور إعلان الحكم انتهاء الحرب، تحدث عن صافرة النهاية، وكأن جسده قد تحول إلى طبلة جوفاء لا تحوي شيئًا داخلها مطلقًا، ولكنها في نفس الوقت، مكتومة، ومكبوتة، وخاوية على عروشها، فلا تستطيع إصدار أي صوت، ولا تملك القدرة حتى على الرفض، مجرد خرقة بالية تحوم في الفضاء، فهل عاش بيب جوارديولا هذه الأحاسيس أيضًا بعد صافرة النهاية؟
بيب جوارديولا رجل مهووس، تلاحقه اتهامات الخبل والجنون أينما ارتحل، دقته المتناهية، حتى عندما كان لاعبًا، تحكمه في كل شئ وكأنه يعرف بالضبط ما يريد القيام به، حركاته الغريبة، تعقيده وتركيزه مع كل تفصيلة مهما كانت صغيرة، لحظات السرحان التي تأتيه وهو جالس على مقاعد البدلاء، وكأنه يرى شيئًا ما، أو يحاور شخصًا ما يراه هو فقط، أضف إلى ذلك طريقة شربه للمياه بعد كل هزيمة، ونظراته الحالمة بعد كل نصر، كل ذلك يظهره للناس في صورة “الفيلسوف” حينًا، وفي صورة “المجنون” أحيانًا أخرى، والأهم أنه حاد الطباع، تظهر عليه علامات الحزن أو الفرح أو القلق بسهولة شديدة.

نعم؛ فكلا الجانبين من شخصيته، له انفعالات حادة تطفح على جسده سريعًا، وكلما فكر عقله في شئ، سبقته عاطفته وانفعالاته إليها، حتى أن الكاتب غيليم بالاجي يقول في كتابه “another way of winning”، أن أقصى مدة زمنية يمكن أن يتحدث فيها جوارديولا عن شيء غير كرة القدم هي”32” دقيقة فقط، قبل أن يبدأ في التفكير في كرة القدم مرةً أخرى، ودليله على ذلك أنه عادةً ما يرمي رأسه إلى الخلف محدقًا في السقف، ثم يبدأ في هزها بطريقة عجيبة، هل تعلم ما هو الغريب هنا؟ أن في هذه المرة تحديدًا، وبعد الهزيمة التي تلقاها من غريمه الأزلي ريال مدريد، وعلى العكس من كل مرة، لم يُبدِ أي انفعال.
لم يصرخ، لم يحزن، ولم يتحرك من مكانه للحظات، فقط نظر إلى الأرض، ثم رفع رأسه قليلًا وسلم على طاقم التحكيم بود مصطنع، حاول النظر إلى الجماهير بنظرات خافتة، ثم خرج من الملعب دون أن يتحدث ببنت شفة: هل كانت عبقرية أنشيلوتي وفريقه التكتيكية؟ ضغطهم السريع الشرس؟ اتخاذهم من الحِدَّة هوية؟ هل لأنهم الطرف الأكثر قوة والأصلب نفسيًا؟ هل كنت أنا السبب أم اللاعبين؟ كل تلك التساؤلات في عقله، لم يكن لها إلا نتيجة واحدة منطقية واحدة؛ نظرة يائسة، وشعور بالخذلان، وبالضياع، وبالسقوط في هوة سحيقة؛ وهنا يجب السؤال: كيف أضرم بيب جوارديولا النار في نفسه؟
عش بيب المحترق
كل الحلول “الكروية” التي أقرها بيب للتخلص من الأزمات المتتالية، كانت تأتي بنتائج عكسية، حيث يلجأ عادةً في مثل تلك المواقف إلى تخفيف حدة التوتر في المباريات من خلال الاحتفاظ بالكرة أكبر فترة ممكنة، لكن لاعبي مانشستر سيتي الأكثر قدرة على التحكم في إيقاع اللعب مثل إلكاي جوندوجان، وبرناردو سيلفا، وكيفن دي بروين، كانوا أكثر لاعبي الفريق تراجعًا في المستوى فنيًا وبدنيًا، ولذلك فقد أصبح الحل السريع هو المشكلة، وكلما حاول مانشستر سيتي الظهور بمظهره المعتاد، كلما فقد الكرة بسرعة نتيجة أخطاء اللاعبين، وترك نفسه مفتوحًا أمام الهجمات السريعة للمنافسين.
ولهذا السبب، لجأ مانشستر سيتي إلى أساليب لعب مختلفة، سعى خلاله إلى السماح للمنافس بالاستحواذ على الكرة لفترة أطول، فبدأ الفريق في اللعب بطريقة 4-4-2 فلات، على سبيل المثال، في تلك المباراة التي أقيمت في ديسمبر ضد ليستر سيتي، كسر ليستر حاجز الدقيقتين من التمرير المتواصل، فهل هذا حل جيد فعلًا؟ على المستوى النظري؛ نعم، ولكن على المستوى العملي، لا قطعًا، لأن الفريق متفكك أصلًا، ويحتاج إلى إعادة تموضع وتمركز، واللاعبين مشتتين، وأي تغيير في الفلسفة، يعني مزيد من التشتيت.

تخيل أنك ترتكب الكثير من الأخطاء في العمل نتيجة فقدان الثقة، وبدلًا من أن يحفزك المدير، أو يعزز من المهارات الجيدة لديك، يغير خطة العمل تمامًا ليثبت لك بالدليل القاطع أنك فاشل فيما تفعله، ما نتيجة ذلك؟ حسنًا المزيد من الأخطاء لأن ثقتك بنفسك قلت أكثر، وكلما أخطأت، كلما قلت ثقتك بنفسك أكثر، وكلما قلت ثقتك بنفسك أكثر، كلما أخطأت، هذا ما فعله بيب جوارديولا حرفيًا، حتى وصلنا للمرحلة التي يتركب فيها كل لاعبي الدفاع والوسط أخطاء مضحكة في التمرير والتمركز، وأصبح الفريق ككل يعاني من ثلاث أزمات، كلما حاول بيب إصلاحهم، كلما أشعل المزيد من النار في العش:
- الضغط:
الفريق لم يعد قادرًا على الضغط العالي أو التمركز بشكل جيد في الثلث الثالث من الملعب، وهناك دائمًا مساحة فارغة في نصف الملعب الخصم، يستغلها أحد اللاعبين لضرب خطوط مانشستر سيتي بسهولة شديدة
2. دفاع المرتدات:
الفريق يرتد بمنتهى البطء، ودون نظام محدد، وهناك دائمة مساحة فارغة بين لاعبي الوسط والدفاع.
3. دفاع العرضيات:
والدليل ان غالبية الأهداف اللي دخلت مرمى مانشستر سيتي جاءت من عرضيات متقنة من الخصم، يقابلها سوء تمركز للاعبي الدفاع.
احتراق داخلي
المذهل؛ أن كل ذلك تزامن مع أزمات نفسية عنيفة عانى منها الرجل، وربما تكون هي السبب الرئيسي في مشاكله التكتيكية، ففي ليلة مقمرة، ظهر بيب جوارديولا بشكل عجيب أصاب الجميع بالذهول، وجهه وصلعته مليئين بالجروح والخرابيش، وصلعته الناصعة البياض، غزاها اللون الأحمر، وعند سؤاله عن السر وراء تلك الخدوش الكثيرة، قال لهم مبتسمًا وفي حالة من النشوة: “فعلتها بإصبعي، بأظافري، أريد أن أؤذي نفسي”، قالها هكذا دون أن يشعر بالحاجة إلى التفسير أو التبرير أو التعقيب، وكأنه فرغ من ترديد قانون علمي محكم للغاية: انت مجروح؟ إذن أنت من جرحت نفسك، هكذا بكل بساطة.
تلك التصريحات جعلته عرضةً للنقد الشديد، وهو ما جعله يعتذر في اليوم التالي عن الحادث، مؤكدًا على أن ظفرًا حادًا تسبب في ذلك عن طريق الخطأ، حسنًا؛ ما تلك الحيرة، هل آذى نفسه فعلًا أم لا؟ الحقيقة أنه آذى نفسه فعلًا، ولكن لأسباب نفسية معقدة، هو ليس مريضًا نفسيا بالمعنى المعروف، هو فقط: مضغوط ويشعر بالخواء، وهنا يجب أن نتحدث عن السبب الأهم لإيذاء النفس: “اضطراب القلق المعمم“، والذي يعاني منه بيب بوضوح، وظهرت عليه أعراضه بشدة في الفترة الأخيرة مثل: الفزع أو القلق المستمر، وفرط التفكير في الخطط والحلول، عدم القدرة على الاسترخاء، والهوس بالمثالية، والشعور بالتململ، والشعور بالتوتر أو العصبية، وصعوبة التركيز، أو الشعور كأن ذهنك “خاوٍ” تمامًا، ذلك “الخواء” الذي تجلى في عينيه بوضوح ليلة “السانتياجو برنابيو”.
الأزمات النفسية، جعلته يتخذ بعض القرارات الغريبة داخل غرفة الملابس، وأججت من الأزمات بينه وبين باقي اللاعبين، بحسب تعبير سام لي، محرر ذي أثلتيك، في المرات السابقة كانت لديه الحكمة الكافية للإغلاق على المشاكل، أما هذه المرة، انفرط العقد تمامًا خاصةً مع وجود أزمات ومشاكل أخرى مثل الإصابات المتكررة، وأزمات التجديد والعقود خاصة بعد شعور اللاعبين بالزهو على إثر ثلاثية 2023.
إضافة إلى قراراته الغريبة في سوق الانتقالات، والصفقات الأغرب مثل ماثيوس نونيز أو جيرمي دوكو الذين ما زالوا بعيدين عن الاعتماد عليها رغم وصولهما ملعب “الاتحاد” منذ سنتين كاملتين، وها هو يأتي بعمر مرموش فقط، الذي يحتاجه فعلًا لسد ثغرة المهاجم الوحيد الممثل في هالاند بعد خروج ألفاريز، ولكنه كان من الأولى به استقطاب “باك يمين” بعد خروج كايل ووكر. الخواء النفسي، يأتي بقرارات متسرعة، والقرارات المتسرعة، لا تجلب إلا الخطأ، الذي يأتي عليك بوابل من السباب والضغوط من الجماهير المتعطشة للدماء، والضغوط عادةً ما تزيد من الخواء النفسي، إنها دائرة مفرغة.
— beIN SPORTS (@beINSPORTS) February 19, 2025
هدف !!
ريال مدريد 3-1 مانشستر سيتي | غونزاليز يقلص الفارق بهدف في الثواني الأخيرة من اللقاء#دوري_أبطال_أوروبا#UCL #beINUCL pic.twitter.com/Nm2IsONrCr
سكرة الموت
بعد انتهاء مباراة السباعية الشهيرة بين ألمانيا والبرازيل، استخدمت الصحافة لفظ “سَكرة الموت”، لوصف الهزيمة المذلة التي تعرضت لها البرازيل، إذ كانت تلك الهزيمة بمثابة إعلان وفاة هذا الجيل كرويًا، بعدما فقد البرازيليون الثقة بلاعبيهم، وفقد اللاعبون الثقة بمدربه، حسنًا؛ ذلك اللفظ يمكن استخدامه أيضا لوصف حالة السيتي اليوم؛ حيث خسر الفريق 13 مباراة هذا الموسم، وهو أكبر عدد من الخسائر يتعرض له بيب جوارديولا خلال موسم واحد، سواء مع برشلونة أو مانشستر سيتي أو بايرن ميونخ، الغريب فعلًا؛ أن كل ذلك حدث دون أن يعرف أحد السبب الحقيقي وراء هذا الانهيار، وهذا هو التجسيد لما يسميه علماء النفس الرياضي “الانهيار الجماعي للفريق“.
الذي يعرفونه على أنه “هبوط حاد جماعي مفاجئ في أداء الفريق سببه زخم أو حدث أثر على الأسلوب، وعلى علاقة أفراد الفريق ببعضهم البعض، ما أفقدهم التحكم في مجريات اللعب، وصعّب عليهم العودة لمستواهم السابق”، وهي ظاهرة منتشرة: تسير الأمور بشكل جيد وفجأة، ينخفض الأداء بشكل كبير لدرجة تبدو فيها الأمور خارجة عن السيطرة، وبلا سبب واضح، أحد أهم الأمثلة على ذلك، هو ما حدث مع فريق “فالكونز” في بطولة “السوبر بول” 2017، حين كان متقدمًا على فريق “نيو إنجلاند باتريوتس” بنتيجة 28-3، وكانت فرص فوزه بالمباراة تتخطى 98.9٪، لكنه خسر بشكل غير متوقع 28-34 في الوقت الإضافي، مثلما سقط السيتي في مستنقع ريال مدريد قبل دقائق من نهاية المباراة أيضًا.
— beIN SPORTS (@beINSPORTS) February 19, 2025
هدف !!
ريال مدريد 3-0 مانشستر سيتي | مبابي لا يهدأ ! النجم الفرنسي يبصم على الـ"هاتريك"في الدقيقة 61#دوري_أبطال_أوروبا#UCL #beINUCL pic.twitter.com/unU7DsxKuM
في مثل تلك الحالات، عادةً ما يمر الإنسان بخمس مراحل نفسية تكون أساس تعامله مع “سكرة الموت” تلك:
أولها هي مرحلة الإنكار حيث نلجأ إلى عدم تصديق الخسارة لأن الألم يصبح أقوى منا بكثير.
بعدها تأتي مرحلة الغضب، وهي الطريقة التي نعبر بها عن هذا الألم، فتخرج من أجسادنا صراخًا وعويلًا.
وثالثًا تأتي مرحلة “المساومة”، وتنبع من الشعور بالذنب.
المرحلة الرابعة فتكون “اكتئابًا” حادًا يعتريك، حيث قالت عالمة النفس، شيري كورمير، أن الحزن يصيب الناس في أوقات مختلفة، فهناك أشخاصٌ لم يصابوا بالحزن إلا في العام الثالث للخسارة، وخامسًا تأتي مرحلة “التقبل”، وهذا لا يعني أنك قد تصالحت مع الخسارة، ولكنك فقط تحاول دفع نفسك للأمام.
أما آخر المراحل فهي مرحلة “البحث عن المعنى”، أن تدرك هشاشة الحياة، وتحاول تغيير نفسك.

بيب، وطبقًا لما رأينا في عينيه من نظرات فارغة المعنى، لم يزل غالبًا في المرحلة الخامسة، (نحن لسنا أطباء نفسيين بالطبع لنعرف)، ولكن عدم صراخه دليل على أنه يفكر في الأمر بعمق؛ فهل سيعيد لنفسه الحياة مجددًا بعد أن أضرم فيها النار؟ هل نرى العنقاء متجسدة مرةً أخرى أمامنا في صورة رجل أصلع من لحم ودم؟ سؤال ليست له إجابة إلا عند بيب نفسه، ولكن بشكل عام فقدرته على العودة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بمدى سيطرته على الهوس الذي يعتريه أحيانًا، ومدى قدرته على الخروج من حالة الخواء النفسي تلك، نحو أفق مختلف، خاصة مع المشروع الجديد الذي يجهز له النادي بالتعاقد مع 7 لاعبين دفعة واحدة في الصيف المقبل.